ابن عساكر
122
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقال : ما ذا تقولون ؟ فقالوا : وما ذا نقول ! نقول واللّه ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا ، وما جاء به نبينا صلى اللّه عليه وسلم كائن من ذلك ما كان . فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب ، فقال له النجاشي : ما هذا الدين الذي أنتم عليه ؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية فما هذا الدين ؟ فقال جعفر : أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ، وتستحلّ المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها ، لا نحلّ شيئا ولا نحرّمه ، فبعث اللّه إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبد اللّه وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ، ونحسن الجوار ، ونصلّي للّه تعالى ، ونصوم له ، ولا نعبد غيره . قال : فقال : هل معك شيء مما جاء به ؟ وقد دعا أساقفته « 1 » فأمرهم فنشروا المصاحف حوله ، فقال له جعفر : نعم . فقال : هلم فاتل عليّ ما جاء به . فقرأ عليه صدرا من كهيعص [ سورة مريم ، الآية : 1 ] فبكى واللّه النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم . ثم قال : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة « 2 » التي جاء بها موسى ؛ انطلقوا راشدين « 3 » ، لا واللّه لا أردهم عليهم « 4 » ، ولا أنعمكم عينا . فخرجنا من عنده ، وكان أتقى الرجلين فينا عبد اللّه بن أبي ربيعة . فقال عمرو ابن العاص : واللّه لآتينه « 5 » غدا بما استأصل به خضراءهم « 6 » ، فلأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد ، فقال له عبد اللّه بن أبي ربيعة : لا تفعل ، فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا ، فقال : واللّه لأفعلن . فلما كان الغد دخل عليه فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عنه ، فبعث إليهم ولم ينزل بنا مثلها . فقال بعضنا لبعض : ما ذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه ؟ فقال : نقول واللّه الذي قاله اللّه تعالى ، والذي أمرنا به نبينا صلى اللّه عليه وسلم أن نقول فيه ؛ فدخلوا عليه وعنده بطارقته ، فقال : ما
--> ( 1 ) الأساقفة علماء النصارى الذين يقيمون لهم دينهم ، الواحد أسقف ، وقد يقال بتشديد الفاء . ( 2 ) المشكاة : جاء في اللسان : وفي حديث النجاشي : إنما يخرج من مشكاة واحدة ، المشكاة : الكوة غير النافذة . وقيل : هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل ، يريد أن القرآن والإنجيل كلام اللّه تعالى ، وأنهما من شيء واحد . ( 3 ) يخاطب فيه المسلمين . ( 4 ) أي على المشركين . ( 5 ) سيرة ابن إسحاق : لآتينه . ( 6 ) خضراءهم يعني شجرتهم التي منها تفرعوا .